النويري
300
نهاية الأرب في فنون الأدب
المسترمّ والمستهدم [ 1 ] ، لم يكن لهم الإقدام على هدمه إلا باستئذان ولىّ الأمر دون المحتسب ، ليأذن لهم في هدمه بعد تضمينهم القيام بعمارته . هذا في السّور والجوامع . وأمّا المساجد المختصرة فلا يستأذنون فيها . وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه ، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه . فأمّا إذا كفّ ذوو المكنة عن بناء ما استهدم ، فإن كان المقام في البلد ممكنا وكان الشّرب وإن فسد مقنعا ، تاركهم وإيّاه . وإن تعذّر المقام فيه ، لتعطَّل شربه واندحاض سوره ، نظر : فإن كان البلد ثغرا يضرّ بدار الإسلام تعطيله ، لم يجز لولىّ الأمر أن يفسح في الانتقال عنه ، [ وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت : في قيام كافّة ذوى المكنة به [ 2 ] ] ، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به وترغيب أهل المكنة في عمله . وإن لم يكن البلد ثغرا مضرّا بدار الإسلام ، كان أمره أيسر وحكمه أخفّ . ولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرا بعمارته ، لأن السلطان أحقّ أن يقوم بعمارته . وإن أعوزه المال ، فيقول لهم المحتسب : ما دام عجز السلطان عنه أنتم مخيّرون بين الانتقال عنه أو التزام ما ينصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه . فإن أجابوا إلى التزام ذلك ، كلَّف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم من غير إجبار ، ويقول : ليخرج كلّ واحد منكم ما يسهل عليه وتطيب به نفسه ، ومن أعوزه المال أعان بالعمل . حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو تعين [ 3 ] اجتماعها بضمان كل واحد من أهل المكنة قدرا طاب به نفسا ، شرع حينئذ في عمل المصلحة وأخذ كلّ واحد من الجماعة بما التزم به . وإن عمّت هذه المصلحة ،
--> [ 1 ] المسترم : ما دعا إلى رمّه وإصلاحه من البناء . والمستهدم : ما يريد أن يتهدم وينقض . [ 2 ] وردت هذه الجملة التي بين القوسين في الأصل هكذا : « وان كان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيامه وكافة ذوى المكنة به » وقد أثبتنا ما ورد في الأحكام السلطانية لاستقامته . [ 3 ] في الأحكام السلطانية : « أو يلوح . . . » .